أنواعُ الأطفال… والتربيةُ بعدلٍ لا بمُساواة

 د. محمد الناهي – استشاري أسري وتربوي

ليس كلُّ الأطفالِ سواء، كما ليست القلوبُ نسخًا متطابقة، ولا العقولُ قوالبَ جاهزة. ومن أعظم الأخطاء التربوية أن نُسقِط مفهوم المساواة على التربية، فنظنّ أن العدل يتحقق حين نُعامل أبناءنا بالطريقة نفسها، والأسلوب نفسه، والتوقعات نفسها.

والحقّ أن العدلَ في التربية ليس تشابهًا في المعاملة، بل حكمةٌ في التقدير، وبصيرةٌ في الفهم.

أطفالٌ بطبائعَ مختلفة

في كل بيتٍ عائلةٌ صغيرة من العوالم المتباينة:

الطفل الحساس

تؤذيه النظرة، وتكسره الكلمة، وتربكه القسوة. هذا الطفل لا يصلحه الزجر ولا يُقوّيه التوبيخ، بل يحتاج إلى احتواءٍ دافئ، وكلمةٍ مطمئنة، وشعورٍ دائم بالأمان. التوجيه عنده يُثمر حين يُغلَّف بالرحمة.

الطفل العنيد

لا يلين بالأوامر الجافة، ولا يخضع لفرض السلطة. كلما زاد الضغط عليه، اشتدّ تمرده. هذا الطفل يحتاج إلى حوار، وإشراك في القرار، وتقديم بدائل ذكية تمنحه الإحساس بالاختيار لا الإكراه.

الطفل الاجتماعي

يتغذّى على العلاقات، ويزدهر بالوجود بين الناس، ويحب أن يشارك الجميع عالمه. عزله عقوبة قاسية، وحرمانه من التفاعل كسرٌ لطبيعته. مكافأته الحقيقية هي الاهتمام، وإشراكه، وتوجيه طاقته الاجتماعية في مسارات نافعة.

الطفل المنطوي

يزهر في الهدوء، ويبدع في المساحات الآمنة، ولا يحب الضجيج ولا المواجهات الصاخبة. هذا الطفل لا يُفهم بالصوت العالي، بل بالإصغاء العميق، ولا يُكتشف إلا لمن انتبه لهمسه قبل أن يطالب بصوته.

ثم هناك من يبرع بالحركة، وآخر يحلّق في الخيال، وثالث يعشق النظام والترتيب…*

﴿وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ﴾.

دورُ الأم… قلبُ التربية وروحُها

الأم ليست مجرّد مُربّية، بل هي البيئة الأولى التي يتشكّل فيها وعي الطفل وأمانه النفسي.

بعاطفتها يتعلّم الحب، وباحتوائها يتعلّم الثقة، وبهدوئها يتعلّم الطمأنينة.

الأم الواعية:

تُدرك الفروق بين أبنائها، فلا تُقارن، ولا تُفضِّل.

تُحسن الإصغاء، وتفهم المشاعر قبل السلوك.

تُربّي بالاحتضان قبل التوجيه، وبالقدوة قبل الكلمات.

وحين تُخطئ الأم – وهي بشر – فإن اعتذارها لطفلها لا يُسقِط هيبتها، بل يرفع إنسانيته، ويُعلّمه معنى التواضع والمسؤولية.

دورُ الأب… ميزانُ العدل وقِوامُ الاتزان

الأب ليس ممثّل السلطة فقط، بل هو مرجعية الأمان، وصورة العدل، ومصدر الاتزان في حياة الأبناء.

به يتعلّم الطفل الحدود، والانضباط، وتحمل المسؤولية.

الأب الواعي:

لا يجعل الحزم قسوة، ولا الرحمة ضعفًا.

يوازن بين الحزم والاحتواء.

يرى كل طفل بعين مختلفة، ويُقدّر قدراته، ويُنمّي تميّزه.

وجود الأب القريب، المتفهم، العادل، يصنع أبناءً واثقين، لا خائفين، أقوياء بلا قسوة، وحازمين بلا عنف.

شراكة لا تنافس

أخطر ما يفسد التربية أن يعمل الأب والأم في اتجاهين متعاكسين:

أحدهما يُفرط في الشدة، والآخر يُفرط في التساهل.

وأجمل ما يصنع التوازن أن تكون التربية شراكة ووعيًا واتفاقًا.

حين يتكامل دور الأب والأم، يشعر الطفل بالأمان، ويكبر في بيئة واضحة المعالم، رحيمة في روحها، عادلة في قوانينها.

دورُ المربّي الواعي

المربّي الواعي – أبًا كان أو أمًّا – لا يُربّي نسخًا متشابهة، بل يربّي نفوسًا متفرّدة.

لا يُسقِط تجاربه على أطفاله، ولا يُطالبهم جميعًا بالطريق نفسه، ولا يقيس نجاحهم بمقياس واحد.

إنه مربٍّ يكتشف، لا يفرض.

يفهم، لا يُسارع إلى الحكم.

ويُعطي كلَّ طفلٍ ما يحتاجه، لا ما يراه مناسبًا للجميع.

العدل… فقهٌ لا عاطفة

العدل في التربية أن تُعامل كلَّ طفل بما يصلحه، لا بما يبدو متساويًا في الظاهر.

فالعدل ليس أن تعطي الجميع المقدار نفسه، بل أن تعطي كلَّ واحدٍ المقدار الذي يُنقذه ويُنمّيه.

ولهذا نقولها بوضوح:

العدالةُ في التربية فقهٌ عميق، لا عاطفةً عابرة، وبصيرةٌ تربوية، لا اجتهادًا عشوائيًا.

وحين نُحسن هذا الفقه، ونُحسن دور الأب والأم معًا، نُخرِج أبناءً أصحّاء نفسيًا، متوازنين إنسانيًا، واثقين بذواتهم…

وحينها فقط نكون قد أدّينا الأمانة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

هل يمكن للعلاقة أن تعالجنا؟

محمود عبد المنعم – أخصائي نفسي لماذا لا ينبغي الدخول في علاقة بهدف التعافي النفسي يلجأ كثيرون إلى العلاقات العاطفية في لحظات الانكسار النفسي، لا بدافع المشاركة، بل بحثًا عن

اقرأ المزيد »