د. نسرين خالد حسني – أستاذ علم النفس الإكلينيكي المساعد – جامعة القاهرة
يُعد السلوك الانفجاري لدى الأطفال من أكثر المشكلات التي تُثير قلق الوالدين والمعلمين. وغالبًا ما يُفسَّر بشكل مبسّط على أنه عناد، تمرد، أو سوء تربية. إلا أن هذا التفسير، رغم شيوعه، قد يحجب الفهم الحقيقي لطبيعة المشكلة، ويؤخر التدخل العلاجي المناسب. فالسلوك الانفجاري، في كثير من الحالات، لا يكون اختيارًا واعيًا من الطفل، بل تعبيرًا عن عجز في تنظيم الانفعالات والتعامل مع الضغوط.
ما المقصود بالسلوك الانفجاري؟
السلوك الانفجاري يشير إلى نوبات غضب شديدة ومفاجئة تتسم بالصراخ، البكاء العنيف، الاندفاع، وقد تصل أحيانًا إلى العدوان الجسدي أو اللفظي. هذه النوبات تتجاوز الاستجابة الانفعالية المتوقعة للموقف، وتكون مصحوبة بفقدان واضح للسيطرة.
متى يكون طبيعيًا ضمن النمو؟
من الناحية الارتقائية، تُعد نوبات الغضب شائعة في مرحلة الطفولة المبكرة، خاصة بين عمر السنتين والخمس سنوات. وفي هذه المرحلة تكون مهارات اللغة محدودة، ولا يزال الجهاز العصبي في طور النضج، كما يعتمد الطفل على السلوك أكثر من الكلام للتعبير عن احتياجاته، وتكون النوبات هنا مؤقتة، قصيرة، وتتناقص تدريجيًا مع تطور القدرة على التعبير وضبط الذات.
متى يصبح مؤشرًا لمشكلة نفسية؟
يُصبح السلوك الانفجاري مثيرًا للاهتمام الإكلينيكي عندما يستمر بعد العمر الارتقائي المتوقع، ويكون متكررًا وبشدة أعلى، ويظهر في أكثر من بيئة (المنزل، المدرسة، أثناء التفاعل مع الأقران)، وعندما يؤدي إلى تعطيل في الأداء الأكاديمي أو الاجتماعي، وكذلك يعقبه شعور بالندم أو الإرهاق الشديد لدى الطفل. في هذه الحالات، لا يمكن اعتباره مجرد عناد، بل علامة على اضطراب في تنظيم الانفعال.
وتشير الدراسات النفسية العصبية إلى أن الأطفال ذوي السلوك الانفجاري غالبًا ما يعانون من فرط نشاط الجهاز الانفعالي خاصة اللوزة الدماغية، وضعف في وظائف الفص الجبهي المسؤولة عن التخطيط، كبح الاستجابة، وتنظيم الانفعال، كما يعانون من حساسية مرتفعة للإحباط والتغيرات المفاجئة. كل هذه الخصائص تجعل الطفل سريع الاستثارة، وبطيئًا في التهدئة، وغير قادر على استخدام استراتيجيات بديلة عند الغضب.
ارتباط الخلل في تنظيم الانفعالات بالاضطرابات النفسية:
قد يظهر السلوك الانفجاري كعرض أساسي أو مصاحب لعدة اضطرابات، من أبرزها :اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة(ADHD)، واضطرابات القلق، واضطرابات طيف التوحد، والاضطرابات السلوكية التخريبية، والاكتئاب عند الأطفال والمراهقين. لذا، فإن التقييم الإكلينيكي المتكامل يُعد خطوة أساسية قبل إطلاق الأحكام التشخيصية.
دور البيئة والأسرة:
رغم أن السلوك الانفجاري له أساس عصبي وانفعالي، إلا أن البيئة تؤدي دورًا مهمًا في شدته واستمراره. فعدم الاتساق في القواعد، والضغوط الأسرية، أو الاعتماد المفرط على العقاب قد يؤدي إلى زيادة حدة النوبات، وتعزيز السلوك بدل تقليله، وشعور الطفل بعدم الأمان. ومع ذلك، من المهم التأكيد أن الأسرة ليست السبب الوحيد، بل جزء من منظومة التأثير والتدخل.
إن التعامل الفعّال مع السلوك الانفجاري لا يقتصر على إيقاف النوبة، بل يركز على تنمية مهارات تنظيم الانفعال، وتعليم الطفل التعرف على مشاعره وتسميتها، وتدريبه على بدائل سلوكية آمنة للتعبير، وإرشاد الوالدين لأساليب استجابة هادئة وثابتة، والتدخل المعرفي السلوكي أو الدوائي عند الحاجة.



