بقلم: محمد كمال – باحث واختصاصي علم نفس اجتماعي
- في جميع المؤسسات، يختلف الموظفون فيما بينهم من حيث الأداء المهني، وهذا أمر طبيعي وذلك لاعتبارات عديدة مثل: الخلفية الثقافية والتعليمية، والسمات الشخصية والقدرات الخاصة. وربما يتفق كثير من المتابعين على أنه في كل إدارة أو قسم بأي مؤسسة يوجد موظفا هو “الجوكر” كما يحب أن يسميه البعض، وهو الموظف المتميز متعدد القدرات والمهام، والذي يحمل القسم أو الإدارة على أكتافه، ويكون مسؤولا عن كثير من المهام الإدارية والفنية داخل المؤسسة.
- الموظف الجوكر سلاح ذو حدين؛ حيث إنه إما أن يتعامل معه مديره المباشر على أنه ثروة بشرية يمكن لجميع الموظفين الموجودين معه التعلم منه والاستفادة من خبراته المتنوعة، أو يعتمد عليه اعتمادا كليا ليقوم بمهام القسم أو الإدارة حتى يظهر بصورة مميزة أمام الإدارة العليا، وفي هذه الحالة يكون هذا الموظف بمثابة قنبلة موقوتة تنفجر في أي وقت حال مغادرته المؤسسة؛ ولذلك فإن هذا الموضوع يحتاج إلى نظرة تأمل، مع إرسال تنبيه لكل من الموظف الجوكر والمدير المباشر حتى لا يقع كلاهما في الفخ ويتضرر الجميع.
- إذن فالموظف الجوكر إما أن يكون معلما لكل زملائه في بيئة العمل أو يكون خادما يخدم مديره المباشر ويقوم بكثير من المهام نيابة عن الجميع حتى يتم إنجاز الأعمال بكفاءة ومن ثم يظهر هذا المدير بصورة براقة أمام الإدارة العليا. ولذلك الحديث في هذا الموضوع عن الموظف المعلم والموظف الخادم.
من هو الموظف المعلم؟
- الموظف المعلم، هو موظف متعدد الإمكانيات والقدرات والتي تمكنه من القيام بكثير من المهام الإدارية والفنية داخل المؤسسة. هذا الموظف يقوم بدوره على أكمل وجه من حيث أداء المهام المطلوبة منه. وهذا الموظف ليس دوره فقط أداء المهام بكفاءة، بل يتعدى دوره في قيامة بتدريب زملاء العمل وتطويرهم.
- وفي الحقيقة، يتوقف الدور التطويري الذي يقوم به هذا الموظف على عدة أمور؛ منها: تشجيع المدير المباشر أو رئيس القسم له من أجل قيامه بتطوير أداء زملاه، وأيضا مدى تقبل زملاء العمل لهذا الموظف ليقوم بصقل مهاراتهم وتدريبهم على أمور ترفع من كفاءتهم المهنية.
- وإذا أمعنا النظر في طبيعة شخصية كل من هذا الموظف المعلم ورئيسه المباشر أنهما يشتركان في السمات التالية:
السمات الشخصية للموظف المعلم ومديره المباشر:
- يحب استكشاف كل ما هو جديد، ولذلك يطور نفسه باستمرار
- مبادر ويقدم دائما مقترحات لتطوير العمل
- مثابر ولا يستسلم للأمر الواقع
- اجتماعي ومصدر ثقة للآخرين
- إيجابي ومحفز لزملائه في العمل
- يقبل النقد ويحاول دائما من تحسين الأداء للأفضل
- لديه أفكارا جديدة باستمرار
- يستشيره الآخرون في أمورهم المهنية وربما الحياتية
- لديه سمات قيادية
يعد هذا النوع من الموظفين ثروة كبيرة للمؤسسة؛ لأنه إذا حسن استثمار وجودة بالشكل المطلوب فإنه يطور من قدرات زملائه في العمل، وينقل لهم خبراته، وبالتالي فإنه يحقق مبدأ الموظف الشامل؛ الذي يستطيع القيام بأدوار زملائه في حال غياب أحدهم؛ وبالتالي تحافظ المؤسسة على أدائها، بل وتطور هذا الأداء باستمرار حتى في حال غياب الموظف المعلم. وللمدير دور كبير في هذا الموضوع؛ لأنه لو تعامل مع وجود الموظف المعلم على أنه داعم لتطوير المؤسسة فإنه يساهم وبقوة في تطوير أداء الأفراد والمؤسسة معا. أما لو تعامل مع وجوده على أنه منافس له وأنه ربما يزيحه من مكانه الإداري فإن ذلك يعود بالسلب على الموظف وبقية الموظفين ويؤدي في النهاية إلى خسارة المؤسسة لموظف متميز وتضعف كفاءة الفريق ويقل أداء المؤسسة.
من هو الموظف الخادم؟
- هو موظف لديه إمكانيات مهنية عالية تساعده في أداء المهام الإدارية والفنية المطلوبة منه بكفاءة عالية. ولكن لا ينقل خبراته للآخرين. وحتى لو تم طلب منه ذلك فإنه لا ينقلها كاملة ويحتفظ بسر من أسرار المهنة لديه ولا يشاركها أحد؛ وذلك من أجل الحفاظ على تفوقه ومكانته بين الزملاء، وفي نفس الوقت تظل المؤسسة في حاجة إلى خدماته.
- أتذكر موقف عايشته حينما وجدت موظفا تحت التدريب جالسا بمفرده ويشعر بالملل الشديد، وعندما سألته: لماذا تجلس هكذا؟ قال: لا شيء، لا توجد مهام لأتعلمها. قلت له: أما أنه المفروض أن يعلمك الموظف فلان؟ فرد وهو يتحسر قائلا: لم يعلمني أي شيء، فقط يتركني في المكتب وعندما أسأله عن شيء يتعلل بأنه مشغول ويجب أن يركز فيما يفعل حتى يكمل المهام المطلوبة منه. ذهبت إلى هذا الموظف وسألته: لماذا تترك فلانا هكذا؟ هو هنا من أجل أن يتعلم شيئا حتى يكون قادرا على أداء مهامه الوظيفية مستقبلا. فرد قائلا: لا أريد أن يأخذ أحدا مكاني، لو علمته سوف يأخذ مكاني. ونصحني بألا أعلم أي متدرب لأن ذلك يشكل خطورة على وظيفتي. كنت مصدوما كثيرا من كلامه، ولكن تمالكت نفسي، واصطحبت المتدرب المسكين إلى مكتبي، وقلت له: أعلم أن طبيعة عملي مختلفة قليلا عما يجب عليك تعمله، ولكن دعني أعطيك فكرة عن مهامي الوظيفية لربما تحتاج ذلك مستقبلا.
- هذا الموظف الذي تحدثت عنه كان موظفا خادما، ولكن ليس نقيا من الداخل، فهو يخدم من أجل أن يكون الرقم الصعب الذي لا يستطيع أحد الاستغناء عنه، وبالفعل كان كذلك. إلا أن الله كانت له كلمته، حدثت ظروف ما بالعمل اضطرت هذا الموظف للاستقالة. فهكذا كانت العدالة الإلهية.
- وللأسف كان موقف المدير المباشر سلبيا للغاية؛ فقد كان جل همه هو أن يقوم هذا الموظف بإنجاز المهام بغض النظر إذا كان يعلم الآخرين أم لا. ولكن في النهاية ذهب الموظف وسار انحدار شديد في أداء المؤسسة بسبب غياب هذا الموظف الذي كان يحتفظ بفنيات القيام بدوره الوظيفي.
السمات الشخصية لهذا الموظف الخادم:
- يحب نفسه لدرجة الأنانية
- لا يحب العمل الجماعي وإن كان يظهر عكس ذلك
- يتملق ويتزلف لرؤسائه من أجل كسب رضاهم عليه
- لديه مستوى عال للخضوع لمن يشعر بأنهم أعلى منه مكانة
- متسلط على من هم أقل منه مكانة
- الجانب الأخلاقي في العمل لديه متدن مثل: الأمانة، والنزاهة
- لا يبادر إلا إذا كانت مبادرته تحقق له مصلحته الشخصية
- يطور من نفسه كثيرا، ولكن يحتفظ بما تعلمه لنفسه فقط
- تراه كما لو أنه اجتماعي، ولكن ليس لديه أصدقاء مقربين
- وهناك صنفا آخر من الموظف الخادم، وهو الموظف الذي يرى نفسه أقل من الآخرين على الرغم من امتلاكه مهارات فنية وإدارية متميزة. وهمه الوحيد هو إرضاء الآخرين فقط سواء كانوا زملاء العمل أو كان مديرا مباشرا. فالأمر المهم بالنسبة له هو أن يكون محبوبا بين الناس.
- هذا النوع من الموظفين يتفانى في عمله، ويبذل الجهد الكبير في إنجاز المهام بدقة عالية طمعا في الحصول على رضا كل الموجودين، ودائما يكون ذلك على حساب نفسه. وللأسف فإن هذا الصنف من الموظفين يتم استغلاله من الآخرين لأنهم يعرفون جيدا أنه يسعى لكسب رضاهم ولا يستطيع أن يرفض لهم أي طلب. وعلى الرغم من أن هذا الصنف يفيد المؤسسة من خلال تفانيه في العمل إلا أن عنصر الاستدامة لا يتحقق؛ لأنه في وقت ما ينكمش أداؤه وتفتر عزيمته وربما يترك العمل من شدة التعب. وبالتالي لم تتم الاستفادة منه بالشكل المطلوب؛ فهو مثل العطر الجميل الذي تذهب رائحته بمرور الوقت.
وقفة:
المؤسسة الناجحة هي التي تستقطب الموظف العلم، وتستثمره الاستثمار الأمثل لأنه يرتقي بالموظفين في بيئة العمل، ويستطيع أن يصعد بهم إلى سلم التميز. وهذا يتم في وجود رئيس قسم أو مدير قائد، واثق من نفسه، هدفه الأساسي تطوير المؤسسة من خلال تطوير الأفراد.



