العقل بين الوهم والحقيقة

✍🏻د. سلطان الهاجري

مقدمة

هناك لحظات في حياة الإنسان يشعر فيها بثقة مفرطة تجاه رأيه، ومعلومة يتشبث بها، وتفسير يعتقد أنه الأقرب للحقيقة، تلك الثقة الخادعة تُسمى اليوم وهم المعرفة، ذلك الشعور الذي يمنح صاحبه يقيناً بامتلاك الحقيقة بينما الحقيقة قد تكون في مكان آخر تماماً، خطر هذا الوهم أنه لا يصنع جهلاً عابراً، بل يصنع جداراً يحجب عنا التعلم والنمو

فالإنسان قد يسقط في وهم المعرفة حين يظن أن الاطلاع السريع معرفة، أو أن تكرار المعلومة برهان، أو أن الثقة بالنفس بديل عن التثبت والفهم، وهنا سبق أن قيل بأن أكبر العقول سقوطاً، تلك التي تظن أنها بلغت القمة، فالعقل حين يتوقف عند ظنه، يتوقف معه التطور

أين المعضلة؟

فالمعضلة ليست في الجهل، وإنما في الشعور بأننا نعرف، فالمعرفة الحقيقية تبدأ بالسؤال، والبحث، والتواضع، أما الوهم فيبدأ من الاعتقاد بأن الحقيقة مكشوفة ولا تحتاج إلى تدقيق، لذلك يقول سقراط في عبارته الشهيرة، “كل ما أعرفه أني لا أعرف شيئاً”، كلمات تبدو بسيطة لكنها تهدم غرور من يظن أنه وصل إلى اليقين النهائي

وهم المعرفة

لذلك قد نجد ان وهم المعرفة يظهر في تفاصيل الحياة اليومية، على سبيل المثال شخص يحكم على موقف دون معرفة أبعاده، وآخر يتحدث بثقة عن موضوع لم يقرأ فيه إلا سطحاً، وثالث يتخذ قراراً استنادا إلى انطباع سريع، والمشكلة أن الإنسان كلما ازداد تمسكاً بتصوره الأول، ازداد ابتعاده عن الحقيقة، فالعين قد ترى، لكن العقل قد يعمى

وأخطر ما في وهم المعرفة أنه يغلق الباب أمام التغيير، فمن يعتقد أنه يعرف لن يبحث، ومن لا يبحث لن يتعلم، ومن لا يتعلم سيكرر أخطاءه كأنها صواب، وهنا تتجلى الحقيقة القاسية، فالتطور لا يحدث لمن يطمئن إلى ثبات رأيه، التطور يحدث لمن يراجع ذاته بلا خوف، فالوعي لا يقاس بما نعتقده عن أنفسنا، وإنما بما نتعلمه عن العالم في كل مرة نكتشف فيها أننا أخطأنا

المؤسسات ووهم المعرفة

والمؤسسات كذلك قد تقع في هذا الوهم حين تظن أن نجاح الأمس ضمان لنجاح الغد، أو حين تعتقد أن الخبرة الواسعة كافية لفهم التغيرات الجديدة، فالمؤسسة التي تستسلم لوهم المعرفة تتحول ببطء إلى كيان مغلق، يتخذ قراراته اعتماداً على الذاكرة لا على التحليل، وعلى الانطباع لا على البيانات، وقد قال أحد القادة، “الجمود يبدأ من لحظة ظنك أنك تعرف كل شيء”، وهكذا تفقد المؤسسات ذكاءها قبل أن تفقد قدرتها

الحل على المستوى الفردي

أما على المستوى الفردي، فالتخلص من وهم المعرفة يحتاج إلى ثلاث مهارات:

أولًا: الوعي بأن نصف الحقيقة قد يضللنا أكثر من غياب الحقيقة

ثانيًا: الشجاعة في الاعتراف بأن الفكرة التي نحملها قد تكون ناقصة

ثالثًا: الانفتاح على التعلم المستمر من الآخر، ومن التجربة، ومن الخطأ

فمن عرف قدر نفسه، عرف قدر علمه، فالتواضع بداية الطريق، والتوقف عن التوقف هو أهم خطوة في رحلة الفكرة

الثقة والتحرر من وهم المعرفة

لذلك فإن الإنسان الذي يتحرر من وهم المعرفة لا يفقد ثقته، إنما يكتسب ثقة أعظم، ثقة مبنية على فهم، وعلى وعي، وعلى قدرة على رؤية الصورة كاملة، يستطيع أن يسأل، وأن يسمع، وأن يعيد النظر دون أن تهتز مكانته، فالعقل الواثق من نفسه لا يخشى المراجعة، والخائفون وحدهم هم الذين يتمسكون بأفكارهم حتى عندما تشققت من الداخل

أما اليوم وفي عالم يمتلئ بالمعلومات السريعة، والمنصات الصاخبة، والآراء المتدفقة، يصبح التحرر من وهم المعرفة ضرورة لإنسان يريد أن يبقى قادراً على التفكير السليم. وكلما ازداد ضجيج العالم، ازدادت قيمة العقل الهادئ، وكلما ازدادت كثافة المعلومات، ازدادت أهمية السؤال: هل أعرف حقاً، أم أظن أني أعرف؟

خاتمة

ختاماً، فالمعرفة لا تُستكمل، والفهم رحلة مستمرة، والعقل الذي يظن أنه وصل إلى النهاية يغادر طريق الحقيقة دون أن يشعر. ومن توقف عن التعلم، بدأ يتراجع وإن سار إلى الأمام. والتراجع الحقيقي يبدأ حين نعيش داخل فكرة واحدة ونظن أنها العالم بأكمله

إن التحرر من وهم المعرفة هو أول خطوات الإنسان نحو الحكمة، ونحو رؤية أوضح، ونحو حياة تمنح العقل حقه في النمو، والروح حقها في الاتزان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

الصيام والصحة النفسية

بقلم: د. العربي عطاء الله قويدري – استشاري في الإرشاد النفسي والأسري مقدمة هناك الكثير من المعالم التربوية التي تنمى شخصية الإنسان خلال شهر رمضان. فرمضان زمن مجاهدة النفس، وترويض

اقرأ المزيد »