هل هناك ما يُسمّى “تعفّن الدماغ الرقمي”؟ وما هي آثاره الحقيقية؟

د. نسرين خالد حسني – أستاذ علم النفس الإكلينيكي المساعد – جامعة القاهرة

ظهر مصطلح تعفّن الدماغ الرقمي Digital Brain Rot حديثًا كمفهوم مجازي يصف التدهور التدريجي في الجوانب المعرفية والانفعالية الناتجة عن الإفراط في استخدام المحتوى الرقمي السريع، مثل التمرير اللانهائي Doomscrolling ومنصات التواصل الاجتماعي. ورغم أنه ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، إلا أن الدراسات الحديثة، مثل تلك المنشورة في Brain Sciences  وJournal of Behavioral Addictions، تؤكد أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا يمكن أن يؤثر على الانتباه، الذاكرة، التنظيم الانفعالي، والقدرة على اتخاذ القرار.

يستخدم الباحثون عدة مصطلحات علمية أكثر دقة للتعبير عن الظاهرة نفسها، ومن أبرزها تشوش الدماغ الرقميDigital Brain Fog  الذي يشير إلى ضعف التركيز والانتباه الناتج عن الإفراط الرقمي، والتراجع المعرفي الرقمي Digital Cognitive Decline الذي يعكس انخفاضًا تدريجيًا في القدرات المعرفية والوظائف التنفيذية، والعبء العصبي الرقمي Neuro-Digital Overload الذي يصف إرهاق الجهاز العصبي نتيجة كثافة المعلومات الرقمية، بالإضافة إلى متلازمة الإرهاق المعلوماتي Information Fatigue Syndrome التي تُعبر عن التعب الذهني الناتج عن تدفق معلومات يفوق قدرة الدماغ على المعالجة. وتشير هذه المصطلحات جميعها إلى تدهور وظيفي في الأداء العقلي والانفعالي، وليس إلى تعفن حقيقي في خلايا الدماغ.

تشمل مظاهر التعرض المفرط للمحتوى الرقمي ضعف الانتباه والتركيز، تراجع الذاكرة العاملة، صعوبة اتخاذ القرار، القلق وزيادة الاستثارة الانفعالية، اضطرابات النوم، وانخفاض الدافعية. ومع ذلك، تشير الدراسات إلى أن الوعي بالعادات الرقمية ومراقبة نوعية المحتوى يمكن أن يقلل من هذه التأثيرات، ويساعد الدماغ على الحفاظ على التركيز والانفعالات المتوازنة وتحسين الأداء اليومي. حيث أنه وفقًا لدراسات حديثة أشارت إلى أن المخ يتمتع بالمرونة/ اللدونة العصبية Neuroplasticity، وأن الحد من الاستخدام المفرط للشاشات، واستبدال المحتوى السريع بأنشطة معرفية متعمقة، والحرص على النوم الجيد، والنشاط البدني، والتواصل الواقعي، كلها استراتيجيات فعالة لاستعادة الوظائف المعرفية والانفعالية.

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد، أنه يبقى مصطلح تعفّن الدماغ الرقمي مصطلحًا استعاريًا يعكس المخاطر الوظيفية للإفراط في التفاعل الرقمي، ويمكن الوقاية منه أو تقليله عبر وعي المستخدم وتنظيم سلوكياته الرقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

أفكارنا حياتنا

طرفة فهد – أخصائي نفسي هل سبق لك أن مررت بموقف مزعج ولم تتأثر به؟ ترى، ما هي الفكرة التي خطرت ببالك في تلك اللحظة؟ هل كانت إيجابية أم سلبية؟

اقرأ المزيد »

دور الأم الرعوي حال غياب الأب

هند المطوع – مستشار اجتماعي أسري تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي ينمو فيها الطفل ويتشكّل وجدانه، ويكتسب منها قيمه واتجاهاته الأولية. وعندما يغيب أحد الوالدين –وخاصة الأب– لأي سبب كان،

اقرأ المزيد »