دور الأم الرعوي حال غياب الأب

هند المطوع – مستشار اجتماعي أسري

تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي ينمو فيها الطفل ويتشكّل وجدانه، ويكتسب منها قيمه واتجاهاته الأولية. وعندما يغيب أحد الوالدين –وخاصة الأب– لأي سبب كان، تبرز الأم بوصفها حجر الزاوية في استمرار التماسك الأسري، وتتحمّل أعباء تربوية ونفسية واجتماعية مضاعفة. وفي هذه المرحلة الحرجة، تظهر أهمية دور الأم في رعاية أبنائها القاصرين؛ إذ لا تقتصر مهمتها على توفير الحماية والرعاية، بل تشمل أيضاً بناء التوازن النفسي والاجتماعي لديهم، والحفاظ على استقرارهم العاطفي والمعرفي في ظل فقدان أحد أعمدة الأسرة.

 أهم التحديات التي قد تواجه الأم (بعد غياب الأب) خلال تربيتها لأبنائها القاصرين:

  • الضغوط النفسية والاجتماعية: تواجهها الأم نتيجة الحزن والقلق المصاحب لغياب الأب، مما قد يؤثر على استقرارها النفسي وسلوكها التربوي.
  • ازدواجية الدور: تجد الأم نفسها مضطرة للقيام بدورين في آن واحد: دور الأم الحنون ودور الأب الحازم، الأمر الذي قد يربك مسار التربية أحياناً.
  • صعوبات اقتصادية: غالباً ما يرافق غياب الأب تراجع في المستوى المعيشي، مما يضيف عبئاً مادياً على الأم ويؤثر على فرص الأبناء في التعليم والرعاية الصحية.
  • التأثيرات النفسية على الأبناء: غياب الأب قد يترك فجوة نفسية لدى الأطفال، تظهر في صورة قلق، تمرد، أو انطواء، مما يتطلب من الأم وعياً تربوياً مضاعفاً في التعامل مع هذه الانفعالات.
  • نقص الدعم المجتمعي: في بعض البيئات، قد لا تحظى الأم بالدعم الكافي من الأسرة الممتدة أو المجتمع، ما يجعلها تشعر بالعزلة أو العجز.

نصائح لكل أم تمر بهذه المرحلة من التغيير في حياتها:

  • احتضني أبناءك بحب ووعي: فالحب وحده لا يكفي، بل لا بد من أن يصاحبه وعي تربوي وفهم لاحتياجاتهم النفسية في كل مرحلة عمرية.
  • كوني قدوة متزنة: احرصي على ضبط انفعالاتك، والتعبير عن مشاعرك بطريقة صحية، ليكتسب أبناؤك القدرة على التكيف مع مشاعرهم.
  • اطلبي الدعم دون تردد: من الأقارب أو الأخصائيين أو المؤسسات المجتمعية، فالتربية مسؤولية تشاركية، ولا عيب في طلب العون.
  • وازني بين الحزم واللين: لا تحاولي تعويض غياب الأب بالمبالغة في التدليل أو القسوة، بل احرصي على وضع حدود تربوية واضحة بلغة الحب.
  • اعتني بنفسك أولاً: صحتك النفسية والجسدية تنعكس على جودة عطائك، فلا تهملي نفسك في خضم العطاء اليومي لأبنائك.

أثر الأبعاد النفسية لغياب الأب وتأثيرها على شخصية الأبناء:

غياب الأب لا يُعد مجرد فراغ جسدي في المنزل، بل يترك آثارًا نفسية عميقة لدى الأبناء، تختلف حدّتها باختلاف شخصية الطفل، عمره، وسبب الغياب (وفاة، انفصال، سفر طويل، أو هجر). ومن أبرز الأبعاد النفسية التي قد تظهر:

  • الاضطراب العاطفي: يشعر الطفل بعدم الأمان العاطفي، مما يجعله أكثر حساسية وميلاً للعزلة.
  • فقدان المرجعية الذكورية: الذكور من الأبناء على وجه الخصوص قد يعانون من غياب النموذج الذي يتعلمون منه الرجولة، السلوك الاجتماعي، وضبط الانفعالات.
  • التعلق الزائد أو التمرد: بعض الأطفال يلجؤون للتعلق الزائد بالأم كوسيلة تعويض، فيما يميل آخرون إلى التمرد أو العدوانية كردّ فعل على الفقد.
  • اضطراب الهوية في سن المراهقة: مع غياب أحد الوالدين، قد يواجه المراهق صعوبة في تشكيل هويته واستيعاب أدواره الاجتماعية بشكل سليم.

المطلوب تربويًا: وعي الأم بهذه الأبعاد، ومراقبتها للتغيرات السلوكية والنفسية لدى أبنائها، مع مراعاة الحديث عن الأب بصيغة متوازنة تُبقي صورته كمرجعية إيجابية، خاصة في حالات الغياب القسري أو الوفاة.

أهمية دور الأم في تعويض غياب السلطة الأبوية:

الأب يمثل غالبًا جانب السلطة والتوجيه الحازم في الأسرة، وغيابه قد يؤدي إلى اختلال ميزان الانضباط لدى الأبناء بالمقابل لا يُطلب من الأم أن تكون نسخة عن الأب، بل أن تمارس القيادة التربوية بأسلوبها الخاص ومن ذلك:

  • القيادة بالحوار: تعزيز عادة النقاش والاستماع للأبناء يساعد في بناء الانضباط الذاتي، بدلاً من فرضه قسرًا.
  • وضع قواعد واضحة وثابتة: يجب أن تكون القواعد التربوية في البيت مفهومة، معلنة، ويتم تطبيقها بثبات دون تذبذب.
  • الحزم اللين: أن تكون الأم قادرة على قول “لا” بطريقة هادئة، لكنها حاسمة، دون صراخ أو تهديد، مما يجعل الطفل يحترمها دون خوف.
  • توزيع المسؤوليات: من خلال منح الأطفال مسؤوليات تناسب أعمارهم يعزز استقلاليتهم، ويغرس فيهم الشعور بالانتماء للأسرة.
  • لا ينبغي أن تسعى الأم للعب دور “الأب القاسي”، بل أن تؤدي دور “القائد العادل” الذي يجمع بين المحبة والضبط.

استراتيجيات التربية الناجحة في ظل غياب الأب:

حتى في ظل هذا الغياب، يمكن للأم أن تؤسس بيئة تربوية ناجحة إذا تبنّت استراتيجيات فعّالة تتناسب مع الواقع الجديد، منها:

  • الوقت النوعي مع الأبناء: تخصيص أوقات يومية تُبنى فيها العلاقة، سواء من خلال حكاية، لعب، أو حديث قصير، وهنا نؤكد على أن التواجد النفسي أهم من التواجد الجسدي الطويل.
  • الاعتماد على القصص في بناء القيم: استخدام قصص الأنبياء، الصالحين، والأبطال لتغذية الخيال الأخلاقي لدى الطفل وتعويض النماذج المفقودة.
  • التعاون مع المعلمين والمرشدين: إبلاغ المدرسة بظروف الطفل يساعد في تقديم دعم مناسب، والكشف المبكر عن أي مشكلات نفسية أو سلوكية.
  • إشراك الطفل في الأنشطة الجماعية: مثل النوادي، حلقات التحفيظ، أو الفعاليات المجتمعية، مما يوسع دائرة تواصله الاجتماعي ويمنحه شعورًا بالاندماج.
  • المراجعة الذاتية للأم: على الأم أن تراجع بين فترة وأخرى أسلوبها التربوي وتسأل: “هل أربيهم بدافع الحب أم الخوف؟ هل أُحمّلهم فوق طاقتهم؟

المهارات الذاتية والتربوية التي يجب أن تتسم بها الأم حتى تتمكن من قيادة أسرتها بحكمة وتوازن في حال غياب الأب:

على كل أم في حال غياب الأب أن تتحول لتصبح “القائدة التربوية الأولى”، ولا يكفي الحُب والنية الطيبة وحدهما، بل هناك مهارات ذاتية وتربوية أساسية يجب أن تتحلّى بها لتقود الأسرة بحكمة وتوازن ونجاح.

أولاً: المهارات الذاتية (الشخصية):

الوعي الذاتي والانفعالي: أن تكون قادرة على فهم مشاعرها، إدارة قلقها، والتحكم في ردود أفعالها أمام الأبناء، وننصح الأم أن تمارس التأمل الذاتي المستمر وتسأل نفسها: “كيف يشعر أبنائي الآن؟ وما الرسائل التي أبعثها لهم من خلال سلوكي؟”

المرونة النفسية: أهمية التكيف مع الظروف، وتجنّب الشعور بالعجز أو جلد الذات، والقدرة على تغيير الخطط التربوية عند الحاجة باتزان وثبات وقناعة دون الارتباك.

الصبر وضبط الأعصاب: خاصة في مواجهة التحديات اليومية، مثل عناد الطفل أو ضغوط الدراسة أو التوتر الاقتصادي.

القدرة على اتخاذ القرار: التمييز بين ما هو ضروري وما هو مؤقت، واتخاذ قرارات تُوازن بين مصلحة الطفل وإمكانات الأسرة.

الاستقلال العاطفي: عدم تحميل الطفل مسؤولية احتياجات الأم النفسية، خاصة في حال الوحدة أو الحزن، لتكون هي الداعم لا المدعوم.

ثانيًا: المهارات التربوية (العملية):

مهارات التواصل الإيجابي: استخدام لغة حوار هادئة، خالية من التهديد أو التخويف، وتبني مهارات الإنصات الفعّال لمشاعر الأبناء.

التنظيم وإدارة الوقت: القدرة على تنظيم اليوم بين احتياجات الأبناء، الالتزامات العملية، ووقتها الشخصي دون أن يطغى جانب على آخر.

التربية بالقيم لا بالأوامر: غرس المبادئ من خلال المواقف العملية، لا بمجرد النصح، مثل تعليم الصدق من خلال الاعتراف بالخطأ، أو تعليم الاحترام من خلال القدوة.

مهارة التوجيه الذاتي للأبناء: تعليم الأبناء الاستقلالية، وتشجيعهم على اتخاذ قرارات صغيرة تتناسب مع أعمارهم.

اكتشاف الفروق الفردية: أن تدرك أن لكل ابنٍ شخصية مختلفة، وبالتالي لكل واحد منهم أسلوب تعامل خاص.

مهارة طلب الدعم والاستشارة: ألا تتردد في اللجوء للمتخصصين، أو مجموعات الدعم، أو الكتب الموثوقة حين تحتاج إلى توجيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

أفكارنا حياتنا

طرفة فهد – أخصائي نفسي هل سبق لك أن مررت بموقف مزعج ولم تتأثر به؟ ترى، ما هي الفكرة التي خطرت ببالك في تلك اللحظة؟ هل كانت إيجابية أم سلبية؟

اقرأ المزيد »