الرهاب الاجتماعي: حين تتحول النظرة من الآخرين إلى عبء يعيق الحياة

بقلم: مسلم المرشاد – أخصائي نفسي 

على الرغم من أن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي، إلا أن بعض الأفراد يعيشون صراعًا صامتًا يجعل وجودهم في أبسط المواقف الحياتية تحديًا مرهقًا. الرهاب الاجتماعي ليس مجرد خجل، بل حالة من التوتر العميق والخوف المستمر من تقييم الآخرين أو ملاحظتهم، تجعل الشخص عاجزًا عن أداء واجباته اليومية، سواء في العمل أو الأسرة أو المناسبات الاجتماعية.

معدلات الرهاب الاجتماعي

في البيئة الخليجية، تظهر معدلات الرهاب الاجتماعي بصورة لافتة في السنوات الأخيرة، وفق ما تشير إليه عدة دراسات محلية. فقد أظهرت دراسة أجريت في إحدى الجامعات الخليجية على عينة من الشباب أن ما يقارب 28% منهم يعانون أعراضًا تتوافق مع معايير الرهاب الاجتماعي بدرجات متفاوتة. هذه النسبة المرتفعة تعكس التغيرات السريعة في نمط الحياة، والضغوط الناتجة عن التوقعات الاجتماعية، إضافة إلى طبيعة الثقافة التي تُولي أهمية كبيرة للصورة الاجتماعية والانطباع العام.

أسباب تمنع الشخص من أداء واجباته اليومية

الرهاب الاجتماعي لا يؤثر على الجانب النفسي فقط، بل ينعكس مباشرة على قدرة الفرد على تنفيذ مهامه اليومية. فمن بين الأسباب التي تؤدي لعجز الشخص عن أداء واجباته:

  1. الخوف من الخطأ: يعيش المصاب قناعًا داخليًا أن أي خطأ — ولو بسيط — قد يُفسّر على أنه فشل أو نقص. فيكتفي بالصمت أو الانسحاب بدل المشاركة.
  2. تضخم الرقابة الذاتية: يعاني الفرد من انشغال مبالغ به بتفاصيل جسده وصوته وحركاته أثناء الحديث، مما يجعله غير قادر على التركيز في المهمة الأساسية التي يقوم بها.
  3. التوقعات المجتمعية العالية: في مجتمعات الخليج، خصوصًا في المناسبات والمواقف العامة، ترتفع قيمة الانطباع الاجتماعي، ما يجعل المصاب يعيش تحت ضغط دائم بأن يكون “أفضل من الطبيعي”.
  4. خبرات سابقة مؤلمة: كثير من الحالات التي راقبتها ميدانيًا — سواء في الاستشارات أو البرامج العلاجية — تشير إلى أن تجربة محرجة في الطفولة أو المراهقة غالبًا تكون الشرارة الأولى التي تطورت لاحقًا إلى رهاب اجتماعي مزمن.
  5. الدعم العائلي غير الكافي: تشير بعض الأبحاث الخليجية إلى أن غياب الاحتواء العاطفي داخل الأسرة، والتركيز المفرط على النقد، يرفع احتمالية الإصابة بالرهاب الاجتماعي بنسبة تقارب 35%.

كيف يعوق الرهاب الاجتماعي حياة الفرد؟

هذا الاضطراب قد يمنع الشخص من إلقاء كلمة بسيطة، أو السؤال في اجتماع، أو حتى الرد على اتصال هاتفي مهم. وفي كثير من الحالات التي تُعرض على العيادات النفسية، يذكر المراجعون أنهم فقدوا فرص وظائف، أو تجنبوا الارتباط، أو فشلوا في بناء صداقات حقيقية بسبب الخوف من تفاعل اجتماعي عادي كان من الممكن تجاوزه لولا القلق الحاد.

الرهاب الاجتماعي ليس ضعفًا، بل حالة نفسية تحتاج فهمًا واحتواءً وعلاجًا. وتشير التجارب العلاجية في المراكز الخليجية إلى أن التحسن قد يصل إلى 70% عند الالتزام بالخطط العلاجية المعرفية السلوكية، إضافة إلى الدعم الأسري والبيئي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

هل يمكن للعلاقة أن تعالجنا؟

محمود عبد المنعم – أخصائي نفسي لماذا لا ينبغي الدخول في علاقة بهدف التعافي النفسي يلجأ كثيرون إلى العلاقات العاطفية في لحظات الانكسار النفسي، لا بدافع المشاركة، بل بحثًا عن

اقرأ المزيد »