د. العربي عطاء الله قويدري – استشاري في الإرشاد الأسري والنفسي
يكون الاهتمام بالأطفال ونموهم السليم، وصحتهم الجسدية على رأس أولويات الوالدين، لكن ذلك لا يكفي إذا كان الهدف هو توفير حياة سعيدة، ومستقرة، ومليئة بالنجاح لطفلهم، حيث تعتبر الصحة النفسية الجيدة مفتاح النمو الصحي، ولا تقل أهميتها عن الصحة البدنية، فهي الطريقة التي يفكر بها الأطفال، وتتحكم في شعورهم تجاه العالم من حولهم، ونظرتهم لأنفسهم، ولها دور كبير في كيفية تعامل الأطفال مع ضغوط الحياة وتحدياتها، كما أن سلامتها تساعدهم على تطوير مهاراتهم الاجتماعية، والسلوكية التي تنعكس في حياتهم حتى بعد سن الطفولة، فلذلك يجب معرفة أهمية الصحة النفسية للطفل والتأكد من سلامتها.
ولقد حَظِيت مرحلةُ الطُّفولة واحتياجاتها المتنامية في العقود الأخيرة باهتمام كبيرٍ من قِبَل كلِّ المَعنيِّين بشؤون الطفل والقائمين على تربيته، من علماء نفس وآباء ومربِّين، وأُدباء وغيرهم، وبشكل خاص احتياجاته النفسيَّة، التي تتمركز أهمها في:
احتياجه إلى الحب والعطف والحنان، والأمن والطمأنينة والانتماء، وإلى الجو الأُسري المُفعم بالدِّفء، والمودَّة والرَّأْفة، القائم على التفاهُم والثِّقة والاحترام، ولا سيَّما في مراحل الطفولة الأولى، باعتبار هذه الاحتياجات تَضمن للطفل جانبًا مهمًّا من الاستقرار العاطفي والنمو الانفعالي السليم، وتُعزِّز لَدَيه الشعور بالأمان والثقة بالذات، كما أنَّ الطفل يحتاج إلى إشباع احتياجاتٍ عدَّة أخرى؛ كالحاجة إلى ممارسة الاستقلال الشخصي، وإلى اكتساب بعض المهارات العقليَّة والحركيَّة والاجتماعيَّة الأساسية، وبعض المعايير الأخلاقيَّة المهمَّة في المجتمع.
ولا يَعني مفهوم الصحة النفسيَّة بالضرورة الإنسان الخالي من الأمراض النفسية، فهناك من الأشخاص مَن لا يعانون من أيِّ مرض نفسي، إلاَّ أن أدواءَهم وحركتهم في الحياة أقلُّ مما هو متوقَّع لأمثالهم، وهي كذلك بالنسبة لإبداعاتهم وتكيُّفهم الاجتماعي، وقد عرَّف علماء النفس الصحة النفسية بأنها: “مفهوم إيجابيٌّ متعدِّد المستويات، يكون فيه الإنسان صحيحًا على المستوى الجسدي، ثم على المستوى النفسي، ثم على المستوى الاجتماعي، ثم على المستوى الرُّوحي، فهو مفهوم متعدِّد المستويات لا بد أن يكون في حالة توازُن ما بين إشباع هذه المستويات وتنشيطها، وأي مبالغة في إشباع جانب معيَّن على حساب الجانب الآخر، سيُحدث إخلالاً بذاك التوازن”.
إنَّ للأسرة تأثيرًا أساسيًّا في تكوين شخصية الطفل من سائر جوانبها ومراحل نموِّها، خاصة النمو النفسي أو الانفعالي؛ لذا تلعب الظروف التي تعيش فيها أيُّ أسرة، والعلاقات التي تسود بين أفرادها – دورًا مهمًّا وأساسيًّا في هذا المجال، تعكس بظلالها على الوضع النفسي للطفل وسلوكياته بصورة مباشرة، الأمر الذي يُلقي على عاتق الأسرة مسؤولية كبيرة وحسَّاسة في الوقت نفسه، ومن واجباتها لتحقيق صحة نفسية أفضل لأطفالها نذكر: إبعادهم عن أجواء المشاحَنات التي تحدث بين أفراد الأسرة وبين الوالدين على وجه الخصوص، والتي تكون عادةً بيئة نفسيَّة سيِّئة للنمو، ومصدرًا للعديد من المشكلات النفسية والاجتماعية .
كما عليها أن تتجنَّب التفرقة في المعاملة، أو اللجوء إلى المقارنة بين الأطفال، أو استخدام أساليب الزجر والتهديد والحِرمان، والعقاب البدني والنفسي المبالَغ فيه، أو توجيه عبارات التوبيخ والانتقاد المستمرَّة لهم، اعتقادًا بإسهامها في تربيتهم تربية قويمة.


