كيف نستقبل رمضان نفسيًا؟ بوابة التهيئة الداخلية لشهر التغيير

بقلم: مسلم المرشاد – أخصائي نفسي وعضو مجلس إدارة الجمعية الكويتية لعلم النفس

شهر رمضان

يأتي شهر رمضان كل عام حاملاً معه فرصة متجددة لإعادة ترتيب الداخل قبل الخارج. ولإعادة بناء العلاقة مع الذات قبل الانشغال بالمظاهر والطقوس. فاستقبال رمضان نفسيًا لا يقل أهمية عن الاستعداد الجسدي أو التنظيم الزمني. لأن النفس هي الوعاء الذي تُصبّ فيه كل التجارب الروحية والسلوكية خلال هذا الشهر.

الاستقبال النفسي لرمضان

أولا الانتقال الواعي

أولى خطوات الاستقبال النفسي هي الانتقال الواعي من إيقاع الحياة السريع إلى إيقاع التأمل والتهدئة. كثير من الناس يدخلون رمضان وهم ما زالوا مثقلين بضغوط العمل، وتوتر العلاقات، وتراكمات القلق. هنا تظهر الحاجة إلى لحظة توقف. ماذا أريد من هذا الشهر؟ ما الذي أود أن أغيّره في نفسي؟ هذا السؤال البسيط يفتح باب النية. والنية في علم النفس التحفيزي هي أقوى محرّك للتغيير.

ثانيا تنظيف الداخل

ثانيًا، من المهم أن نعمل على تنظيف الداخل من الضغائن والمشاعر السلبية. فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط. بل هو تدريب على ضبط الانفعالات، وكبح الغضب، وتحرير القلب من الأحقاد. الدراسات النفسية تشير إلى أن التسامح والتخفف من المشاعر السلبية ينعكسان مباشرة على الاستقرار النفسي وجودة النوم ومستوى التركيز. لذلك، استقبال رمضان بقرار داخلي بالمصالحة مع النفس والآخرين يُعد خطوة علاجية بحد ذاته.

ثالثا إعادة الضبط

ثالثًا، يحتاج الإنسان في رمضان إلى إعادة ضبط توقعاته من نفسه. كثيرون يضعون لأنفسهم أهدافًا مثالية: ختم القرآن مرات عديدة، القيام يوميًا، الصيام دون أي تقصير. ثم يصطدمون بالإرهاق والشعور بالذنب عند أول تعثر. الاستعداد النفسي الصحي يعني أن نضع أهدافًا واقعية، قابلة للاستمرار، وأن نتعامل مع التقصير باعتباره جزءًا من طبيعة الإنسان، لا دليل فشل.

رابعا إعادة التشكيل

رابعًا، من الزاوية العلاجية، يمثل رمضان فرصة ذهبية لـ إعادة تشكيل العادات النفسية. الامتناع اليومي المتكرر يدرّب الدماغ على تأجيل الإشباع، وهي مهارة مركزية في ضبط السلوكيات الإدمانية والانفعالية. كما أن انتظام أوقات الأكل والنوم والعبادة يساعد الجهاز العصبي على الدخول في حالة من الاتزان الإيقاعي، مما يخفف من أعراض القلق والتوتر.

خامسا البعد الاجتماعي والنفسي

خامسًا، لا يمكن إغفال أهمية البعد الاجتماعي النفسي في استقبال رمضان. الروابط الأسرية، موائد الإفطار، جلسات الذكر الجماعي، كلها تشبع حاجة الإنسان للانتماء والدعم. تشير أبحاث علم النفس الإيجابي إلى أن الشعور بالانتماء يقلل من معدلات الاكتئاب ويعزز المناعة النفسية.

وأخيرًا، استقبال رمضان نفسيًا يعني أن نراه كمساحة للشفاء لا كموسم للمحاسبة القاسية. شهر نراجع فيه أنفسنا بلطف، نراقب أفكارنا، نهدئ صراعاتنا الداخلية، ونتعلم أن نكون أكثر رحمة بذواتنا.

فمن أحسن استقبال رمضان في داخله، أحسن استثماره في سلوكه. ومن صلح باطنه، استقامت جوارحه، وكان رمضان عنده نقطة تحول لا مجرد محطة عابرة في الزمن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

الصيام والصحة النفسية

بقلم: د. العربي عطاء الله قويدري – استشاري في الإرشاد النفسي والأسري مقدمة هناك الكثير من المعالم التربوية التي تنمى شخصية الإنسان خلال شهر رمضان. فرمضان زمن مجاهدة النفس، وترويض

اقرأ المزيد »