ثقافة الأعذار وبطولة الضحية

د. سلطان الهاجري – باحث ومحاضر في تطوير الأداء المؤسسي

قصة تتكرر

في كل مجتمع قصة تتكرر بصيغ مختلفة. إخفاق يُعزى إلى ظروف، تعثر يُحمّل للآخرين، مسؤولية تُدفع بعيداً عن الذات. ومع تكرار المشهد تنشأ ثقافة كاملة تُجيد صناعة الأعذار، وتُتقن ارتداء ثوب الضحية حتى يصبح بطولة اجتماعية يُصفّق لها. ومن هنا تبدأ أزمة عميقة في بنية الوعي، إذ يتحول الهروب من المسؤولية إلى مهارة، ويُعاد تعريف القوة على أنها قدرة على الشكوى لا على الفعل.

أصل الأعذار

فالأعذار في أصلها آلية دفاع نفسي. تحمي الإنسان من قسوة جلد الذات. غير أن الإفراط فيها يُنتج عقلاً يبحث عن شماعة قبل أن يبحث عن حل. فالخطاب السائد يمتلئ بعبارات من نوع أخر مثل الظروف أقوى، المجتمع معقد، الإمكانات محدودة. فلا أحد ينكر أثر السياق، غير أن تحويله إلى قدر محتوم يسلب الفرد إرادته. فالحكمة تقول “من جد وجد، ومن زرع حصد”. قاعدة بسيطة تذكر بأن الجهد يظل عاملاً حاسماً مهما اشتدت العواصف.

ثقافة الضحية

ثقافة الضحية تمنح شعوراً مؤقتاً بالراحة. فالمسؤولية الثقيلة تُنقل إلى الخارج. غير أن ثمن هذه الراحة باهظ. ومن يرى ذاته دائماً متلقياً للأذى يفقد تدريجياً قدرته على المبادرة. تتراكم القناعات السلبية، ويُعاد تفسير كل حدث باعتباره دليلاً جديداً على الظلم. هكذا يُغلق باب المراجعة الذاتية، ويُفتح باب التبرير اللامتناهي.

في بيئة العمل

كذلك في بيئات العمل. تظهر هذه الثقافة بوضوح. مشروع يتعثر، فيُلقى اللوم على الإدارة. أداء يتراجع، فيُعزى إلى ضغط المهام. إخفاق في التطوير، فيُبرّر بضعف الدعم. قليلون من يسألون ما الذي كان بوسعي أن أفعله بصورة أفضل؟ هذا السؤال هو الذي يوضح الفرق بين عقلية الضحية وعقلية المسؤولية. الأولى تكتفي بوصف المشكلة، والثانية تبحث عن نافذة للفعل.

الإنسان القوي

إن الإنسان القوي يعيد تفسير الألم كطاقة للنمو. فالفكرة هنا لا تتعلق بإنكار المعاناة، وإنما بتغيير موقع الذات داخل المعادلة. فالألم يمكن أن يكون دافعاً للتطوير، كما يمكن أن يصبح ذريعة للانسحاب، والاختيار يحدد المسار.

دور الإعلام وشبكات التواصل

اليوم لو نظرنا حولنا لوجدنا أن الإعلام وشبكات التواصل أسهما في تكريس صورة الضحية البطولية. كل قصة معاناة تحظى بتفاعل واسع، بينما قصص الكفاح الصامت تمر بهدوء. التعاطف قيمة إنسانية رفيعة، غير أن تحويله إلى مكافأة اجتماعية دائمة يعمّق الميل إلى الشكوى. فالمجتمعات التي تتقدم تشجّع الاعتراف بالخطأ، وتكافئ المبادرة، وتربط التقدير بالإنجاز.

الوعي الناضج والوعي المبرر

ذلك فإن الفرق بين الوعي الناضج والوعي المبرّر يكمن في سؤال بسيط ماذا أفعل الآن؟ هذا السؤال يعيد الفرد إلى مركز التأثير. فالعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني. في هذه العبارة نقد مبكر لثقافة التمنّي دون عمل.

والتحرر من بطولة الضحية لا يعني تجاهل الظلم أو إنكار الصعوبات. إنه يعني استعادة زمام المبادرة داخل حدود الممكن. كل إنسان يملك مساحة تأثير، قد تضيق أحياناً وتتسع أحياناً أخرى، غير أنها موجودة. فالاعتراف بها هو بداية النضج.

ثقافة الاعتذار وتخدير الضمير

ولذا سوف نجد أن ثقافة الأعذار تُريح الضمير مؤقتاً. أما ثقافة المسؤولية فتبني مستقبلاً. وبين الراحة العابرة والبناء الطويل، يتحدد مصير الأفراد والمجتمعات. ومن يختار مواجهة ذاته بشجاعة يفتح طريقاً للتغيير. ومن يفضل الاحتماء بسردية الضحية يظل يدور في دائرة مغلقة، ينتظر عدلاً يأتي من الخارج، بينما مفتاح التحول كان في داخله منذ البداية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

الليلة المظلمة للنفس

د. أحمد المحمدي – أستاذ علم أصول الدعوة مقدمة يمر الإنسان في مسيرته الحياتية بمحطات متعددة من التشكل والنضج. غير أن بعض هذه المحطات تتسم بعمق خاص؛ لما تفرضه من

اقرأ المزيد »

الصيام والصحة النفسية

بقلم: د. العربي عطاء الله قويدري – استشاري في الإرشاد النفسي والأسري مقدمة هناك الكثير من المعالم التربوية التي تنمى شخصية الإنسان خلال شهر رمضان. فرمضان زمن مجاهدة النفس، وترويض

اقرأ المزيد »