هل يمكن للعلاقة أن تعالجنا؟

محمود عبد المنعم – أخصائي نفسي

لماذا لا ينبغي الدخول في علاقة بهدف التعافي النفسي

يلجأ كثيرون إلى العلاقات العاطفية في لحظات الانكسار النفسي، لا بدافع المشاركة، بل بحثًا عن الترميم. وكأن العلاقة تُستدعى لتكون علاجًا، أو تعويضًا، أو ملاذًا من ألم داخلي لم يُواجَه بعد. غير أن التجربة الإكلينيكية والبحث النفسي يشيران إلى حقيقة صادمة، وهي أن العلاقات التي تُبنى بغرض التعافي غالبًا تنتهي بخسارتين معًا: التعافي… والعلاقة.

العلاقة ليست أداة علاج

العلاقة الصحية لا تُنشأ لتُصلِح خللًا نفسيًا، ولا لتملأ فراغًا داخليًا، ولا لتُجبِر كسرًا لم يُلتَئم بعد. حين يدخل الفرد علاقة وهو في حالة احتياج نفسي عميق، فإنه – غالبًا دون وعي – يُحمّل الطرف الآخر دورًا علاجيًا لا يستطيع إنسان تحمّله طويلًا.

يتحوّل الشريك إلى مصدر أمان، ومنظم للمشاعر، ومهدّئ للقلق، ومعالج للوحدة. هذا الضغط غير المتكافئ يخلق علاقة غير متوازنة، تقوم على الاعتماد لا على الاختيار، وعلى الحاجة لا على الرغبة.

لماذا تُفاقم العلاقات الجرح بدل شفائه؟

العلاقات الحميمة لا تُخفي الجروح النفسية، بل تُعيد تنشيطها.

من منظور نظريات التعلّق، فإن القرب العاطفي يُحفّز أنماط التعلّق المبكرة:

الخوف من الهجر

التعلّق القَلِق

التعلّق التجنّبي

أو الاعتمادية العاطفية

الشخص الذي لم يُعالج وحدته، سيطلب من العلاقة أن تُنقذه منها.

والذي لم يتعلّم تنظيم مشاعره، سيُحمّل الشريك مسؤولية تهدئته، وطمأنته، وإعادة توازنه في كل اضطراب.

وهنا لا تصبح العلاقة مساحة أمان، بل ساحة إعادة تمثيل للصراعات القديمة.

الحب لا يُنتج التوازن النفسي

من أكثر المعتقدات الرومانسية شيوعًا – وأكثرها ضررًا – الاعتقاد بأن الحب يُشفي.

الحقيقة النفسية أقل شاعرية:

الشخص غير المتوازن نفسيًا لا يصبح متوازنًا لأنه أحبّ أو أُحِبّ.

بل إن العلاقات قد تُضخّم القلق، وتزيد الحساسية، وتُفاقم الخوف من الفقد، خاصة إذا كان الجرح الأصلي لم يُعالَج.

الحب لا يعالج الاكتئاب، ولا يُعيد تنظيم الجهاز العصبي، ولا يُصلح صورة الذات المتضررة.

هذه مهام علاجية داخلية، لا عاطفية خارجية.

العلاقة ليست غرفة علاج

العلاقة الصحية ليست جلسة علاج نفسي، ولا مساحة إسقاط للألم غير المُعالَج.

هي شراكة بين شخصين، كلٌّ منهما تحمّل مسؤوليته النفسية بدرجة كافية، ثم قررا أن يتشاركا حياتهما، لا أن ينقذا بعضهما.

التعافي النفسي مسؤولية فردية، يتطلّب:

  • وعيًا بالأنماط النفسية
  • عملًا علاجيًا حقيقيًا
  • قدرة على تحمّل الألم بدل تصديره
  • وتنظيمًا ذاتيًا للمشاعر دون تحميل الآخر هذا العبء

متى تصبح العلاقة صحية؟

تصبح العلاقة صحية عندما تكون إضافة لا إنقاذًا،

اختيارًا لا احتياجًا،

ومشاركة بين ذاتين مستقلتين، لا محاولة لترميم ذات مكسورة عبر الآخر.

عندها فقط، لا تكون العلاقة وسيلة للهروب من الألم،

بل مساحة نضج، وتبادل، ونمو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله