هندسة اللاءات العشر للسواء النفسي

د. أحمد المحدي – أستشاري أسري وتربوي

هذه اللاءات ليست أوامر جافة، ولا سياجا من المنع، بل هي وعي يتشكل، وبصيرة تتخلق، وموقف وجودي يحمي الإنسان من أن يتحول إلى حطام حي في عالم يستهلك المشاعر، ويستنزف المعاني، ويقايض الكرامة بالقبول المؤقت. إنها هندسة داخلية، يعاد بها ترتيب النفس، وتضبط بها علاقتها بذاتها وبالآخرين وبالطريق.

1 ـ لا تجامل على حساب استنزاف نفسك

لأن المجاملة حين تتحول إلى عبء تصبح خيانة صامتة للذات. العطاء الحقيقي لا يفرغك، بل يوسعك، أما العطاء الذي يُنتزع منك خوفا أو حياء أو طلبا للرضا، فهو نزيف بطيء. ما لا يصدر عن اختيار واع، يعود عليك نقصا، ولو تلحف بأسماء الفضائل. النفس التي تعطي فوق طاقتها تفقد احترامها لذاتها، ومن فقد احترامه لذاته، سهل عليه أن يهدرها الآخرون.

2 ـ لا تصاحب من اتخذ العجز وطنا واستأنس باليأس

فاليأس ليس حالة عابرة، بل عقلية تستوطن صاحبها. من ألف العجز يخاف الحركة، ويضيق بالنجاح، ويشعر بالتهديد من كل محاولة للنهوض. حضورك يذكره بما فرط فيه، واجتهادك يفضح كسله، وثباتك يزعزع تبريراته. لن يرتاح حتى يراك تنسحب من أفقك لتسكن مستنقعه. الصداقة هنا ليست مشاركة، بل استنزاف مضاعف: لك وله.

3 ـ لا تنفق وعيك في جدال لا ينير، ولا تكابر في الخطأ

الجدال الذي لا يقود إلى فهم أوسع، مجرد ضجيج يتغذى على الأنا. الحقيقة لا تحتاج إلى رفع الصوت، بل إلى صدق النية. والمكابرة ليست قوة، بل خوف من انكسار الصورة. الاعتراف بالخطأ لحظة شجاعة، ينخلع فيها الزيف، ويولد فيها الاتساع. الصمت الواعي أبلغ من ألف حجة، لأنه يحفظ طاقتك لما يستحق.

4 ـ لا تقرر وأنت منفعل

الانفعال ضيق مؤقت في الرؤية، يشوه التقدير، ويقود إلى قرارات يندم عليها العقل بعد أن يهدأ الجسد. القرار يحتاج مسافة، يحتاج أن ترى الصورة كاملة لا جزأها الأكثر إيلاما. حين يعلو الانفعال، يتراجع الوعي، وحين يتراجع الوعي، يصبح القرار ردة فعل لا اختيارا.

5 ـ لا تقارن نفسك بغيرك

فالمقارنة ظلم مزدوج: لك وله. أنت تحاكم مسارك الخاص بمعايير لم تصنع له، وتعترض ضمنيا على اختلاف الأقدار والفرص والطبائع. كل إنسان يسير على خط لا يشبه غيره، والوعي الحقيقي هو أن تنظر إلى الأمام، لا إلى الجوانب. المقارنة استنزاف صامت للرضا، وقطع للطريق عن الامتنان.

6 ـ لا تشمت بأحد

فالشماتة جهل عميق بقانون التقلب. من يشمت اليوم، قد يكون موضع شفقة غدا. الحياة لا تثبت على حال، ومن ظن نفسه آمنا من الانكسار فقد أساء قراءة الوجود. الرحمة وعي، والشماتة غفلة، والغفلة لا تحمي صاحبها طويلا.

7 ـ لا تطرق بابا أغلق في وجهك مرتين

الإصرار ليس عنادا أعمى، والكرامة ليست كبرياء فارغا. حين يغلق الباب مرة قد يكون خطأ، وحين يغلق مرتين فهو رسالة. الوعي هنا أن تعرف متى تنسحب، لا لأنك ضعيف، بل لأنك تدرك أن بعض الأبواب لا تفتح إلا على فقدان الذات.

8 ـ لا تكشف وجعك لكل أحد

الشكوى أمانة ثقيلة، وليست كل القلوب مؤهلة لحملها. بعض الناس يستمع لا ليرحم، بل ليخزن ضعفك. مشاركة الألم تحتاج بصيرة في الاختيار، لأن الجرح حين يوضع في يد غير أمينة، يتحول إلى سلاح ضد صاحبه.

9 ـ لا تطلب ما يهينك ولو كنت محتاجا إليه

الحاجة اختبار حاد للقيم. بعض المكاسب تملأ اليد وتفرغ النفس، وما يؤخذ بثمن الكرامة لا يعوضه شيء. الفقر مع العز أهون من الغنى مع الذل، لأن ما ينكسر في الداخل لا يجبره امتلاء الخارج.

10 ـ لا تهمل هندسة ذاتك

فالسواء النفسي لا يمنح جاهزا، بل يبنى لبنة لبنة: وعي بالحدود، وضبط للرغبات، وحسن اختيار للعلاقات، وشجاعة في المراجعة. إهمال الذات يراكم الفوضى في الداخل، ومع الزمن تتحول الفوضى إلى نمط حياة.

هذه اللاءات ليست قيودا تكبل الحركة، ولا عزلة عن العالم، بل نظام توازن دقيق، يحفظ الإنسان من التآكل وهو يمضي، ويمنحه القدرة على أن يعيش واقفا، لا مستهلكا، حاضرا بذاته، لا غائبا في ضجيج الآخرين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

هل يمكن للعلاقة أن تعالجنا؟

محمود عبد المنعم – أخصائي نفسي لماذا لا ينبغي الدخول في علاقة بهدف التعافي النفسي يلجأ كثيرون إلى العلاقات العاطفية في لحظات الانكسار النفسي، لا بدافع المشاركة، بل بحثًا عن

اقرأ المزيد »