بين انكسار الأمس ونهضة الغد

د. سلطان الهاجري – باحث ومحاضر في تطوير الأداء المؤسسي

في زمن تتكسر فيه الأرواح كما تتكسر الزجاجات على الأرصفة المهجورة، تظل الحقيقة الوحيدة التي لا تُكسر هي أن الإنسان لا يُهزم إلا إذا اختار أن يبقى مكسوراً

كثيرون يقفون على حافة الأمس، يطيلون النظر في مشاهد السقوط، كأن الماضي سجن بلا مفاتيح، يتلمسون جراحهم، ويعدّون خيباتهم واحدة تلو الأخرى، فيقنعون أنفسهم أن الهزيمة قدر، وأن الانكسار هوية، لكن، من قال إن الأمس يجب أن يمتد إلى الغد؟ ومن أقنعنا أن الندبة تمنع النهوض؟ ومن غرس فينا أن السقوط نهاية؟

إن انكسار الأمس ما هو إلا ولادة جديدة لا يراها إلا من امتلك بصيرة الناهضين، فكل عثرة تحمل في باطنها درس، وكل وجع يُخبّئ بين طياته بذرة وعي، تحتاج فقط من يسقيها بالإصرار، فالعظماء لم يأتوا من القصور ولا من الطرق المعبّدة، بل من الجراح التي تعلموا كيف يضمدونها بأنفسهم

فحين تُهزم في معركة، لا يعني ذلك أن الحرب انتهت، ما دام فيك قلب ينبض، ففيك شيء لم يُهزم بعد

فلا شيء ينهض من العدم، ولا توجد نهضة حقيقية إلا وقد سبقها وجع، وإخفاق، ولحظة انطفاء كاملة، لكنها اللحظة التي يفصل فيها الإنسان بين البقاء تحت الركام أو أن يحول ركامه إلى أساس جديد، فليست المعاناة هي ما يشكل الفرق بين البشر، بل الاستجابة لها، فهناك من يختار أن يئن، وهناك من يختار أن يتعلم، وهناك من يرى في انكساره نهاية، وآخر يراه بداية للوعي

لذلك فالنهضة لا تبدأ إلا من داخلك، فلا تنتظر أن تمتد إليك يدٌ خارجية لترفعك، بل انظر إلى يدك، إلى ما تبقى فيها من قوة، ومن حنين إلى الحياة، ومن توق إلى نور لم تره بعد، فقرارات الغد تبدأ من لحظة الصمت هذه، حين تسأل نفسك بصراحة إلى متى؟ ثم تجيب الآن، والآن أبدأ من جديد

ففي داخل كل إنسان، جانب لا يموت بسهولة، جانب لا يؤمن بالاستسلام، وإن تظاهر بالخنوع، فذلك الصوت الخافت الذي يقول لك في عز الظلام ما زالت هناك فرصة، وما زال الغد يستحق، وما دمت لم تغادر هذا العالم، فثمة صفحة لم تُكتب بعد، وثمة نور ينتظر قرارك بالمضي نحوه

فالماضي لا يمكن تغييره، لكن المستقبل ينتظر منك أن تغيّر كل شيء. ليس لأنك لم تسقط، بل لأنك اخترت ألا تبقى في مكان السقوط، فنحن لا نُعرّف بانكساراتنا، بل بكيفية قيامنا منها، وكل من نهض قبلك لم يكن أقوى منك، لكنه آمن بأن روحه أكبر من وجعه

فالأمل موقف، والنهضة لا تحدث في الكتب، بل في تلك اللحظة التي تقف فيها أمام المرآة، ترى ملامحك التي تغيرها التعب، وتقول رغم كل شيء، لن أسمح لأمسٍ مكسور أن يسرق مني غداً يستحق الحياة

في الختام لابد ان ندرك ان بين انكسار الأمس ونهضة الغد، يقف الإنسان أمام ذاته مجرداً من كل شيء، إلا من إرادته، تلك الإرادة التي إن قررت، صنعت من الهشيم ناراً، ومن العتمة نوراً، ومنك أنت نسخة لم يراها أحد بعد، حتى أنت.

1 فكرة عن “بين انكسار الأمس ونهضة الغد”

اترك رداً على محمد إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صله

أفكارنا حياتنا

طرفة فهد – أخصائي نفسي هل سبق لك أن مررت بموقف مزعج ولم تتأثر به؟ ترى، ما هي الفكرة التي خطرت ببالك في تلك اللحظة؟ هل كانت إيجابية أم سلبية؟

اقرأ المزيد »

دور الأم الرعوي حال غياب الأب

هند المطوع – مستشار اجتماعي أسري تُعدّ الأسرة البيئة الأولى التي ينمو فيها الطفل ويتشكّل وجدانه، ويكتسب منها قيمه واتجاهاته الأولية. وعندما يغيب أحد الوالدين –وخاصة الأب– لأي سبب كان،

اقرأ المزيد »